المتابعون

الاثنين، 7 فبراير 2022

أفكار **لُغَويٌ ماهر و أستاذ فاضل و نقابي مناضل و مُصلِحٌ أمين*** بقلم محمد أبو المجد جرار

 

**لُغَويٌ ماهر  و أستاذ فاضل و نقابي مناضل و مُصلِحٌ أمين***

برقية عرفان:

أستاذي الفاضل،،،،

علمت  للأسف الشديد أنك تعاني من ضعف البصر في الفترة الأخيرة، لا عليك، لا تحزن كثيراً، و تَجَمّل و تَصَبّر، فإنك مُعَوضٌ ببصيرة نافذة، و ذاكرة خصبة، و معرفة واسعة، لا تحزن أستاذي الفاضل على ضعف البصر فلن يفوتك الكثير، فما شهدته و عشته أجمل و أرقى و أعظم بكثير مما يمكن للمرء أن يراه في هذا الزمان. و على أي حال فنحن كلنا تلاميذك و محبيك و مريديك سنكون عيونك و بصرك و عونك، حفظك الله و رعاك و متعك بالصحة و طول العمر.

م.ن.ج

******

مدرسة جنين الثانوية "القديمة" كانت منارة تعليمية و تربوية متميزة منذ تأسيسها و طوال السبعينيات و الثمانينيات تحت الإحتلال. في الفترة بين عامي 1980-1981، درست بها الصفين الثاني و الثالث الثانوي "التوجيهي" و قد كنت و جيلي محظوظين بزمرة من الأساتذة الأفاضل و المربين الأجلاء، أذكر من بينهم: المدير إبراهيم القاسم، السكرتير مخلص محجوب، و المعلمون: محمد حلمي، صالح جرار، علي الزواوي، عبد الحليم الجيوسي، عبد الجبار (استاذ الكيمياء)،سعيد الهيجاوي، محمد محمود ناصر عبيد (أبو ناصر الجولدن)،محمود حمدان، و غيرهم  الكثير، و قد ترك كل ُ واحدٍ من هؤلاء أثراً بالغاً في تكوين شخصياتنا نحن أبناء ذلك الزمن. و صاحبنا اليوم  هو واحدٌ من هؤلاء إن لم يكن أكثرهم أثراً و تأثير، فنستطيع أن نسمية بكل ثقة و موضوعية: الأول بين أوائل. و صاحبنا اليوم رجل إصلاح و وحدة وطنية في بلدته و محافظته جنين، متعه الله بطول العمر و دوام الصحة و الرضا راحة البال.

أن تكون معلماً للغة العربية أو التربية الإسلامية فتملك ناصية اللغة و تتقنها، و تطوعها كما تريد، و تملك قدرة خطابية و مهارة إلقاء مميزة، و لا تخطئ في لفظ  كلمة لا قواعديا ولا صرفياً و ل نحوياً، و أن تتقن الإستشهاد بأبيات الشعر و الحكم و الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، فذلك أمرُ ربما يكون عادي و متوقع، أما أن تكون استاذاً للغة الإنجليزية و تتقن كل ما ذكر بتفرد و تميز، فلا تقولوا لي أن هذا أمرٌ عاديٌ و شائع، فكم من أستاذٍ للإنجليزية (و حتى للعربية و التربية الإسلامية) لا يتقن ذلك.

صاحبنا يمتلك ناصية اللغتين بإتقان و مهارة و دقة و حصافة و يوظفهما لتحقيق الهدف من مخاطبة الجمهور (و أنا مولع و مهتم  بالغوص بهذا الجانب كتجلي من تجليات العبقرية في البشر، وه ي اتقان فن التخاطب و حسن اختيار لغة و مفردات الخطاب). كان صاحبنا أستاذي للغة الإنجليزية في الصفين الثاني و الثالث الثانوي (التوجيهي) في عامي 1980 و 1981. لم أكن قبل ذلك من محبي اللغة الإنجلزية و لا المتفوقين بها، رغم تميزي "أقول بكل تواضع" بكافة المواد التعليمية الأخرى، لكن هذا المعلم إستطاع أن يجعلني من دراويش اللغة الإنجليزية و آدابها، فقد كان يدرسنا بطريقة لا تستطيع معها الإ أن تعشق الأدب الإنجليزي، حتى لو بقيت لدي مشاكل جمة في القواعد و الإملاء، لقد عرفني على عظمة مارك توين، شكسبير،أميلي برونتي، و آخرين، درست على يديه موبي ديك ل هرمان ملفل، الشيخ و البحر لهمنغواي، اوليفر تويست و دافيد كوبرفيلد ل تشارلز ديكنز.

ولكن الذي لا أنساه ابدا هو كيفية تدريسنا لرواية مزرعة الحيوانات Animal’s farm، للكاتب جورج أورويل، والتي كانت ضمن كتاب " الأنثولوجي". لقد غدت تلك الحصص بمثابة فيلم سينمائي اشاهدة على الشاشة، أو مسرحية كلاسيكية اشاهدها على مسرح برودواي، فقد كان يدرسها و يؤديها صوتياُ بصوته الواضح النقي الجلي الجهوري و بجسده و يديه، فتظن أنه أنتوني هوبكنز أو مارلون براندو، أو آل باتشينو. أو انه مخرج من طراز  كوبولا أو أوليفر ستون. فكنا كأننا نرى شخصيات الرواية تتحرك أمامنا فعرفنا أن الخنزير العجوز "ميجور" صاحب فكرة ثورة حيوانات المزرعة يمثل ماركس، و أن الخنزير نابليون و هو الشخصية الشريرة الرئيسية و هي  تمثل ستالينن و أن سنوبول يعادل تروتسكي" و سكويلر يرمز الى مولتوف و صحيفة برافدا  و آلة الدعاية السوفياتية. أما جونز و هو صاحب المزرعة السابق فهو يمثل نيقولا الثاني قيصر روسيا القيصرية قبل الثورة البلشفية، و أن الحصان بوكسر يمثل عموم الطبقة الكادحة و التي ظلت على حالها كما كان قبل الثورة، و ما زلت أتذكر الجزء المتعلق بوضع بوكسر داخل عربة لنقله الى مكان نائي لإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد أن هرم، فقد قرأه صاحبنا بطريقة جعلت الدمع يكاد يفر من الأعين و نحن طلاب مراهقون في الصفوف الثانوية!!!.

عندما أراد أن يشرح قصة The Pen of my Aunt ل جوزفين تاي، و كيف أن البطلة قد سكبت الحبر من المحبرة على قائمة بأسماء أعضاء المقاومة الفرنسية في الحرب العالمية الثانية قبل أن يحصل عليها جنود النازية، فقد كان يقرأ من الكتاب، و بيده الأخرى مثلّ لنا المشهد و سكب الحبر من محبرة أحضرها على ورقة على الطاولة، فكيف لك أن تنسى كل تلك الصور و المشاهد و تلك القطع الأدبية الكلاسيكية.

لم تكن دروس في اللغة الإنجليزية و آدابها، بل  قد كانت دروس في التاريخ و السياسة و الجغرافيا و الفلسفة و الفكر و الوطنية و المقاومة ايضا.

لاحقا و بعد 30 سنة قال لي شخصياً أنه كان يعشق هذه الرواية و يحب تدريسها، لأنه يعتبرها قمة الإبداع الأدبي ذا المغزى الفلسفي السياسي العميق حول احترام  و تقديس الحريات و الديمقراطيةو محاربة الجشع و الديكتاتورية، كذلك في فساد الطبقة الحاكمة التي تستولي على الحكم  فتنسى طبقتها  و شعبها و رفاقها و تتحول الى ديكتاتورية جديدة فتكون ثورة تأكل أبنائها "هل يذكركم ذلك في شيء".

صاحبنا أيضا يملك حس دعابة حاضر و تعليقات لاذعة، و حازمة و قوية تلجم من يتجاوز حدوده و يتخطى أعراف الأدب و حسن الكلام و التصرف. روى لي شقيقي الأكبر سمير رحمه الله قبل وفاته، أن صاحبنا قد درسه ايضا في الستينيات من القرن العشرين، و كان أخي مشاغباً قليلاً، فيتعب الأساتذة بكثرة مشاكله و مقالبه، فقرر صاحبنا و قد كان مربي الصف أن يعينه عريف فيضبط الطلاب و يسيطر عليهم كونه أكثرهم شغباً، على طريقة "ولي الوزير الشبعان الوزارة و لا تغيره لأنه قد شبع فلا تستبدله بوزير يريد أن ينهب ليشبع"، في اليوم التالي سمع الأساتذة صوتاً عالياً يصدر من الصف، فهرع صاحبنا ليرى ما الذي يجري، فوجد العريف و قد صعد الى طاولة المعلم و يقوم بالرقص و الدبيك عليها و يحيط به الطلاب و هم يصفقون و يغنون و يصفرون، ولما رأى الطلاب و العريف صاحبنا أمامهم بنظرته الحازمة القوية، صمتوا و نزل العريف عن الطاولة، فإبتسم صاحبنا إبتسامة خفيفة فيها من التوبيخ و التحقير كضرب السياط و ردد بيت الشعر الشهير مخاطبا العريف:

إذا كان رب البيت للدف ضاربٌ   فشيمة أهل البيت الرقص و الطبل.

يقول أخي لما روى لي الحادثة في عام 1998: إن تلك النظرة و الإبتسامة و التعليق اللإذع ما زالت أمام ناظريه، وأنه بعد تلك الحادثة غَيّر سلوكه في المدرسة 180 درجة خصوصاً بحضرة صاحبنا.

في  عام 1980 تم إنشاء "اللجنة العامة لمعلمي المدارس الحكومية"، وفي 14/12/1980 خاضت إضراباً وطنياً و مطلبياً مهنياً للمعلمين، مطالبة الإحتلال بالقيام بمسؤولياته بإنصاف المعلمين  مالياً و مهنياً، و للحصول على ترخيص لنقابة خاصة بهم، و رفض التوقيع على إقرار طُلِبَ من كافة المعلمين أن يوقعوا عليه بأن منظمة التحرير منظمة إرهابية، و كانت تلك الحالة النضالية تصعيدا جديدا في فعاليات و طرق و آليات الشعب الفلسطيني في مقاومة الإحتلال، فهي نقلت المواجهة الى مستويات جديدة و الى طرق وأساليب لم تكن تخطر على بال المحتل وا لحاكم العسكري و الإدارة المدنية الصهيونية، فهي ساحة جديدة للمواجهة يقودها مثقفو الشعب و معلميهم و تربويهم،  فتعرض المعلمون للعقوبات الشديدة، و قد كان صاحبنا استاذ اللغة الانجليزية في مقدمة هؤلاء، و قد كان على رأس المعلمين المحرضين و المنفذين و المنظمين لذلك الإضراب، و ما زلت أذكر كيف أنه القى خطبة عصماء أمام الطلبة المحتشدين في الساحة  موضحاً الهدف و الغاية من الإضراب و ضرورة التضامن بين المعلمين و الطلبة و قوى المجتمع في خوض تلك المعركة، فقد وقف  أمام باب المدرسة الداخلي (كما في الصورة و في نفس الموقع) فكان خطاباً سياسياً وطنياً بإمتياز، بصوتة المجلجل الواضح الواثق، و هو يحرك يداً واحدة فقط، مرة و هي مفتوحة الكف فيقول لنا إننا واضحون و شفافون و يدنا نظيفة لا نخاف ولا نهاب من محتل أو عميل، و مرة أخرى و قد ألصق السبابة بالإبهام ليده اليمنى اذا اراد لفت الإنتباه لفكرة شديدة الأهمية و مفصلية في حديثه، او  اذا أراد أن يوجه تحذيراُ للعملاء أو للإحتلال و أذنابه و مخابراته. أو يشير بيده على شكل كرة اذا أراد أن يحمس و يستثير  جمهوره المستمع له. لقد كان صاحبنا أطال الله بعمره من أمهر من رأيت في استخدام لغة الجسد و توظيفها لتوضيح ما يقول. و كان يستخدم ذلك في خطاباته و حواراته و جلساته و أيضا أثناء الحصص الدراسية خاصة في مجال الأدب.

تعرض صاحبنا للإعتقال عدة مرات جراء تلك المواقف، و تم وقف راتبه و الخصم منه، و من ثم تم إنهاء خدماته كمعلم في المدارس الحكومية، فإتجه للعمل في القطاع الخاص، و عاد فترة للعمل كمدير لمدرسة برقين بعد إنتهاء الإحتلال في التسعينيات.

بعد خمسة عشرة عاماً، كنت مشاركاً "لسبب أو آخر "في جاهة لطلب يد عروس"، و قد كان على رأس جاهة العريس الشيخ "توفيق جرار". إضطررت لمغادرة الصالة التي تجلس بها الجاهة لوهلة أثناء المراسم قبل أن يبدأ خطاب أهل العروس، و في الخارج بدأ المتحدث بالكلام، و فوراً أعادني صوته الى عام 1980، و عرفت الصوت و عرفت اللغة و عرفت السحر الذي يضفيه على السامعين، إنه هو  ذاته،،،استاذ اللغة الإنجليزية في عامي 80 و 81 في مدرسة جنين الثانوية القديمة للبنين، إنه: يوسف ملحيس.

و لكم أن تتخيلوا كيف كان خطاب طلب العروس يلقيه مفتي جنين الشيخ توفيق جرار، و كيف كان خطاب الموافقة على المصاهرة من قبل أهل العروس و يلقيه الأستاذ يوسف ملحيس ، خسارة ألف خسارة أنني لم أسجل أو أوثق تلك اللحظات و الكلمات.

الإستاذ يوسف ملحيس "أبو فائد" المتقاعد المولود في السيلة الحارثية قرب جنين في عام 1943 و الحاصل على شهادة الليسانس في اللغة الإنجليزية من جامعة بيروت العربية، هو دائما في مقدمة رجال الإصلاح و ملاحقة و محاربة مظاهر الفرقة و الفتنة، و هو الرجل الذي تجتمع عليه الفصائل و الأحزاب و القوى من أقصى اليسار الى أقصى اليمين، من الموالاة الى المعارضة، من حماس و الجهاد و فتح الى الجبهة الشعبية و الديمقراطية و حزب الشعب و حتى جبهة النضال و حزب التحرير، لا أحد يستطيع أن يشكك بوطنية و إخلاص  و نزاهة و حيادية هذا التربوي الجليل الذي قضى أكثر من 50 سنة في سلك التربية و التعليم و في خدمة المجتمع و القضية الوطنية. و ما خاب من استشاره أو طلب معونته أو قصده لحل خلاف أو لحقن دماء و وأد الفتنة في مهدها، و في سبيل القيام بتلك المهام و بكل أسف فقد نور عينية.

إستاذي و معلمي الفاضل، لن استطيع أن أفيك حقك، فلك كل الاحترام و التقدير، فإن أفضالك عليّ و على جيلي و أجيالٍ سبقتني و لحقت بي أكثر من أن تحصى و تعد و تحصر في مقال سريع على الفيسبوك، في زمان لا يقرأ الناس فيه أكثر من سطرين على شاكلة (صباح الخير، صباح النور، مسا الخير، مسا النور و سلامة تسلمكم). لم تكن  انت بالنسبة لنا معلما للغة الانجليزية فحسب، بل كنت أيضا مثال الوطنية الصادقة الجريئة المقدامة في زمان كنا به نتلمس طريق القوة و الثقة بالنفس و كسر حاجز الخوف من الإحتلال و أذنابه و أعوانه، و نبحث عن القدوة في من يحمل تلك الصفات، فكنت أنت خير من حملها و نقلها و زرعها فينا.

ملاحظة: الشكر الجزيل موجه للسيد عبد اللطيف ملحيس (أبو يزن) لما زودني به من بيانات عن السيرة الذاتية للإستاذ الفاضل يوسف ملحيس و كذلك صورة حديثة له.

*******

محمد نايف جرار- البيرة / 10/6/2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قوافي-لو كان الرحيل-محمد أبو المجد جرار

    لو كان الرحيل ******* م َ  إيلاف   قلبِكِ إن   تَعُزُ نجواه؟! لما عتمة الهجر تسكنه و تغشاه أَتَضِلُ   قدمي   و   الدروب تنساه؟ حين   يتو...